السبت , 3 أكتوبر 2026

التفاوض الناجح يبدأ قبل الاجتماع

عندما يدخل طرفان إلى اجتماع تفاوضي، فإن الكلمات التي تُقال داخل غرفة التفاوض ليست العامل الوحيد المؤثر في النتيجة. هناك تفاصيل تسبقها وتؤثر فيها، كاختيار مكان الاجتماع وطرق ترتيبه، ومعرفة ما يريده الطرف الآخر من هذا الاجتماع، وما الذي يمكن أن يدفعه إلى تغيير موقفه، وما المعلومات التي لا تزال مجهولة وتحتاج إلى اكتشافها.

المكان ليس تفصيلًا هامشيًا

تقول ليزلي جون، أستاذة التفاوض في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن البيئة التي يجري فيها الحوار يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على مساره. فاختيار مقر الاجتماع، وحتى أماكن جلوس المشاركين، قد يغير بدرجات مختلفة شعور كل طرف بالراحة والسيطرة والاستعداد.

وبحسب أبحاث في مجال التفاوض نشرتها شبكة «CNBC Make It»، فإن ما يُعرف بـ«ميزة الأرض» يمكن أن يمنح الشخص أفضلية عندما يخوض التفاوض في بيئة مألوفة بالنسبة إليه. فالمكان الذي يعرف تفاصيله ويشعر بالارتياح داخله قد يقلل من الضغوط المحيطة بالمفاوض، ويمنحه مساحة أكبر للتركيز على مضمون الحوار بدل الانشغال بالظروف المحيطة به.

ولهذا السبب، فإن تحديد مكان الاجتماع لا ينبغي أن يُعامل باعتباره إجراءً تنظيمياً ، وإنما جزءا من استراتيجية التحضير نفسها.

لا تدخل الاجتماع لتتكلم فقط.. ادخل لتعرف

الاستعداد للتفاوض لا يتوقف عند اختيار المكان أو تحديد جدول الأعمال. وهنا تطرح ليزلي جون فكرة أكثر أهمية، تتمثل في إعداد ما يمكن وصفه بـ«أجندة للتعلم».

الفكرة ببساطة هي أن يدخل المفاوض الاجتماع وهو لا يعرف فقط ما يريد أن يقوله، وإنما يعرف أيضا ما الذي يريد أن يكتشفه.

وهذا التحول في طريقة التفكير يمكن أن يصنع فارقا كبيرا. فهذا يساعد في تحضير وإعداد قائمة شاملة من النقاط التي يجب طرحها ومناقشتها، ليصبح التركيز على مجموعة من الأسئلة التي تكشف دوافع الطرف الآخر، وأولوياته، والضغوط التي يواجهها، وما الذي يعتبره نتيجة مقبولة أو ناجحة.

فقد يكون الموقف المعلن أمامك مجرد جزء من الصورة، بينما تكمن المصالح الحقيقية في تفاصيل لم تُطرح بعد.

السؤال الجيد قد يكون أقوى من العرض الجيد

في كثير من المفاوضات، ينشغل كل طرف بإثبات قوة موقفه، فيتحول الاجتماع إلى تبادل للعروض والاعتراضات. لكن طرح السؤال المناسب في اللحظة المناسبة يمكن أن يفتح مساحة ومسارا مختلفة للحوار.

فالأسئلة الاستكشافية لا تساعد فقط على جمع المعلومات، وإنما يمكنها أيضا أن تمنح الطرف الآخر شعورا بأنه مسموع ومفهوم. ومع ازدياد مساحة الحوار، قد تظهر معلومات لم تكن متاحة في بداية الاجتماع: ما الذي تغير في موقفه؟ ما الضغوط التي يتعرض لها؟ أي الشروط يعتبرها أساسية؟ وأيها يمكن التفاوض بشأنه؟

وهنا تتحول الثقة من مجرد شعور عام إلى أداة عملية في التفاوض. فكل معلومة جديدة يتم اكتشافها يمكن أن تعيد تشكيل فهمك للموقف، وربما تفتح بابًا لحل لم يكن ظاهرًا في البداية.

أخطر ما في التفاوض هو الافتراض

أحد الأخطاء الشائعة أن يدخل المفاوض إلى الاجتماع وهو يحمل تصورا مسبقا عن الطرف الآخر: ما الذي يريده، وما الذي سيرفضه، وما الحد الذي لن يتجاوزه.

لكن المشكلة أن هذه التصورات قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة.

والاعتماد عليها دون اختبارها يمكن أن يقود إلى قرارات مبنية على معلومات غير مكتملة. لذلك، يصبح الاستماع الفعلي جزءًا أساسيًا من التفاوض، وليس مجرد انتظار حتى ينتهي الطرف الآخر من الكلام.

كل إجابة يمكن أن تكشف معلومة جديدة، وكل معلومة قد تدفع إلى تعديل الخطة أو إعادة ترتيب الأولويات.

التحضير لا يعني حفظ الإجابات

قد يبدو التحضير المكثف وكأنه يقود بالضرورة إلى اجتماع جامد، يلتزم فيه المفاوض حرفيًا بما أعده مسبقا. لكن المفارقة أن التحضير الجيد قد يفعل العكس تماما.

فكلما كان المفاوض أكثر وضوحا بشأن أهدافه والمعلومات التي يحتاج إليها، أصبح أكثر قدرة على التعامل بمرونة مع ما يحدث داخل الغرفة. فهو لا يحتاج إلى حفظ خطاب كامل، وإنما يمتلك خريطة ذهنية تساعده على معرفة متى يتحدث، ومتى يسأل، ومتى يستمع، ومتى يعيد النظر في موقفه.

وفي النهاية، لا يبدأ التفاوض الحقيقي عندما يجلس الأطراف إلى الطاولة، بل قبل ذلك بكثير. يبدأ عندما يقرر المفاوض ماذا يريد أن يعرف، وما الذي يحتاج إلى فهمه، وكيف يمكن أن يقرأ الطرف الآخر بعيدًا عن الافتراضات الجاهزة.

فالمفاوض الأكثر استعدادًا ليس بالضرورة من يدخل الاجتماع ومعه أكبر عدد من الإجابات، وإنما من يدخل وهو يعرف أي الأسئلة يجب أن يطرحها.

شاهد أيضاً

سر الترطيب الكوري لبشرة متألقة ونضرة

Share