
يشهد عالم العمل تحولًا متسارعًا في أنماط التوظيف وأداء المهام، وأصبح العمل عن بُعد أحد أبرز الخيارات التي تلجأ إليها المؤسسات لتعزيز المرونة وتحسين بيئة العمل.
إلا أن هذا النمط لا يُنظر إليه دائمًا باعتباره مجرد ميزة أو امتياز، بل قد يُمثل في بعض الحالات “تيسيرًا معقولًا” يهدف إلى تمكين بعض الموظفين من أداء أعمالهم دون تمييز، لا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة أو من يواجهون ظروفًا صحية أو اجتماعية خاصة.
ويثير ذلك تساؤلًا مهمًا: متى يكون العمل عن بُعد تيسيرًا معقولًا تلتزم به جهة العمل، ومتى يخرج عن هذا الإطار ليصبح خيارًا تنظيميًا يخضع لسلطتها التقديرية؟ هذا ما يتناوله المقال من خلال استعراض المفهوم، والضوابط التي تحكم تطبيقه في بيئة العمل.
العمل عن بُعد قد يكون تسهيلًا معقولًا في كثير من الحالات ويعتمد القرار على ظروف كل حالة، مثل:
-طبيعة الإعاقة.
-طبيعة الوظيفة وإمكانية أدائها من المنزل.
-توافر بيئة منزلية مناسبة وآمنة للعمل.
-قدرة الموظف على حماية المعلومات السرية.
-مستوى أداء الموظف واستقلاليته في العمل.
-متطلبات العميل، إذا كانت تؤثر في طبيعة الوظيفة.
نصائح لأصحاب الشركات
1- العميل قد يحدد طبيعة الوظيفة
في هذه القضية، كان الجيش الأمريكي هو صاحب القرار النهائي بشأن ضرورة وجود الموظفين في مقر العمل.
ورأت المحكمة أن الشركة كانت ملزمة باحترام شروط العميل، وأن من حقها مراعاة مصالحها التعاقدية.
كما أن الإدارة كانت تخشى أن يؤدي قبول طلب واحد إلى فتح الباب أمام طلبات مماثلة من بقية الموظفين العاملين في المشروع نفسه، بما قد يضر بعلاقتها مع الجيش.
2- نجاح العمل عن بُعد أثناء كورونا لا يفرض استمراره
السماح بالعمل من المنزل خلال الجائحة لا يعني أن هذا الترتيب أصبح دائمًا.
فقد أوضحت لجنة تكافؤ فرص العمل الأمريكية في إرشادات صدرت عام 2023 أن تعليق بعض متطلبات الوظيفة بصورة مؤقتة أثناء جائحة كورونا لا يعني تغيير المهام الأساسية للوظيفة بصورة دائمة، ولا يجعل العمل عن بُعد تسهيلًا مناسبًا في جميع الحالات، ولا يلغي احتمال أن يشكل عبئًا غير مبرر على صاحب العمل.
فالجائحة كانت ظرفًا استثنائيًا أجبر الشركات على اتخاذ قرارات غير معتادة.
وبعض المؤسسات اكتشفت أن العمل عن بُعد يحقق نتائج جيدة واستمرت في تطبيقه، بينما وجدت مؤسسات أخرى أنه كان حلًا اضطراريًا فقط، ولا يلزمها الاستمرار به بعد زوال الظروف الاستثنائية.
3- الاتساق في تطبيق السياسات مهم
أحد العوامل التي دعمت موقف الشركة أن جميع الموظفين العاملين في المشروع نفسه عادوا إلى العمل الحضوري بعد انتهاء قيود كورونا.
واعتبرت المحكمة أن هذا يؤكد عدم استهداف الموظف أو التمييز ضده.
ومع ذلك، لا يعني الاتساق أن يعامل جميع الموظفين بالطريقة نفسها دائمًا، لأن التسهيلات المعقولة بطبيعتها قد تستدعي معاملة مختلفة للموظفين من ذوي الإعاقة وفقًا لاحتياجاتهم الفردية.
4- ليس من الضروري تنفيذ الطلب كما يريده الموظف
أشادت المحكمة بمحاولة الشركة الوصول إلى حل وسط عبر السماح للموظف بالعمل من المنزل يومين إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا.
ورأت أن القانون لا يجبر صاحب العمل على تنفيذ التسهيل بالشكل الذي يطلبه الموظف إذا كان هناك بديل مناسب، أو إذا كان الطلب الأصلي يغير المهام الأساسية للوظيفة.
وفي النهاية، خلصت المحكمة إلى أن الموظف لم يكن قادرًا على أداء أحد المتطلبات الجوهرية لوظيفته. وهو الحضور إلى مقر العمل بصورة منتظمة، ولذلك لم يكن صاحب العمل ملزمًا قانونًا بمنحه التسهيل الذي طلبه، رغم محاولته مساعدته.
الحذر يظل ضروريًا
ورغم أن الحكم يمثل انتصارًا مهمًا لصاحب العمل. فإنه لا يعني أن رفض طلبات العمل عن بُعد أصبح القاعدة.
ففي كثير من الحالات الأخرى قد يكون العمل من المنزل هو التسهيل المعقول والواجب توفيره.
ولهذا، إذا كان صاحب العمل يعتقد أنه قد يضطر إلى رفض طلب يتعلق بتسهيل معقول. فمن الأفضل استشارة مستشار قانون العمل أولًا. لضمان توافق القرار مع متطلبات القانون وتجنب أي نزاعات مستقبلية.
مجلة سيدات الأعمال أول مجلة اقتصادية نسائية في الوطن العربي تهتم بشئون المرأة اقتصادياً